قبيلة الكواهلة

الشيخ أحمد الطاهر .. أول قاضي قضاة شرعي بالسودان
2011/10/01

بسم الله الرحمن الرحيم

الشيخ أحمد الطاهر .. أول قاضي قضاة شرعي بالسودان

صحيفة الرائد
30 / 10 / 2009


::::::::::::

نشأ الشيخ (أحمد الطاهر) بين أريج القرآن والسُنة النبوية الشريفة،
وهو من أسرة دينية عريقة ومعروفة أشتهرت بالعلم والدين والصلاح،
غرست هذه الأسرة جذورها في تراب هذا الوطن، وقد حاربت عائلته
المستعمر مع الإمام محمد أحمد المهدي. وقد كانت منطقة (أبوغنيم)
مسقط رأسه أشتهرت فى ذلك الزمان وإلى الآن بأنها منطقة خلاوى
بمسجدها العامر وتدريس العلوم الفقهية والشرعية والدينية - حيث
نشأ وترعرع الشيخ (أحمد الطاهر) فى هذه الأسرة، وقد كان والده
من أعيان المنطقة المشهورين فى بداية القرن التاسع عشر، ومن
كبار حفظة القرآن الكريم، وأيضا أفراد أسرته من حفظة القرآن الكريم
وتفسيره ودراسة علومه. فقد كانت هذه البيئة الخصبة لها أثر فى
تكوين شخصيته الدينية الجامعة للعلوم الدينية والشرعية، ويعتبر
من العلماء الذين حفظوا القرآن ودرسوا العلوم الشرعية.

بدأ الشيخ (أحمد الطاهر) حياته الدراسية منذ طفولته بالخلوة لدراسة
القرآن الكريم وحفظه وتجويده، وقد حفظ القرآن الكريم بالمسيد الملحق
بالمسجد الذي أنشأه الفكي (أحمد ود أم مريوم) قبل الثورة المهدية
خلال فترة السلطنة الزرقاء فى عهد مملكة الفونج (السلطنة الزرقاء
1508-1820م)، أو في فترة الحكم التركي للسودان (1820م -1885م)،
واسمه فقط مطابق لاسم (حمد ود أم مريوم) ولا تربطهما صلة دم أو
قرابة. وقد عمل الفكي (أحمد ود أم مريوم) على إحياء نار القرآن بهذه
المنطقة التي مازالت تؤدي دورها في تحفيظ القرآن الكريم بالمسجد
والمسيد وتدريس السُنة الشريفة العطرة، وإحياء الذكر والليالي الدينية،
وقد أمَّ المسيد العديد من طلاب العلم منذ نشأته وحتى اليوم، والفكي
(أحمد ود أم مريوم) هو من العلماء الذين جاهدوا فى تحفيظ القرآن
الكريم بالرغم من ما يحيط بهم من تآمر ضد الإسلام وأهل الإسلام
فى ذلك الوقت. وقد خلفه في المشيخة الفكي عبد الله، الفكي
حجازي، الفكي أحمد الخليفة، الفكي الطاهر، ويشرف على المسيد
منذ فترة التسعينيات الأستاذ أحمد الفكي الطاهر، ويعاونه أخوه عبد الله
الفكي الطاهر وابن عمه حجازي الفكي أحمد، وهم يشرفون على
المسجد والمسيد معاً.

وقد تتلمذ الشيخ (أحمد الطاهر) أيضا على يد والده الذى كان يدرس
القرآن الكريم بمسجد جده الفكي (عبد الله)، وقد أظهر شغفا للمعرفة
وحب العلم وإرادة قوية فى التعليم، ثم أنتقل للدراسة بقرية المسعودية
حيث التحق بالمسجد لدراسة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية الدينية
والشرعية، للاستزادة من هذه العلوم، وهذ المسجد وهو فرع عن
مسجد جزيرة كترانج بشرق النيل، وقد درس فيه (مختصر خليل بن
اسحق) و(رسالة ابن أبى يزيد القيرواني)، و(موطأ الإمام مالك)، ثم
واصل دراسته والتحق بالمعهد العلمي بأم درمان عندما كان بالجامع
الكبير، الذي كان مركز الإشعاع العلمي الإسلامي الوحيد في البلاد،
والذي كان من أشهر مؤسسيه الشيخ (محمد البدوي) وهو معلم،
وداعية إسلامي، من مواليد (قنتي) – منطقة مروي – الولاية الشمالية
عام 1848م. وقد خلفه فى تبني إنشأ معهد أم درمان العلمي، لدراسة
العلوم الشرعية فى مواجهة كلية غردون التذكارية التى أقامها الإنجليز
عام 1902م، الشيخ أبو القاسم هاشم، وهو معلم، وداعية، وقاضي،
وشاعر، من مواليد مدينة الخرطوم – بري المحس – عام 1861م،

وقد كانت نواة المعهد العلمي، إذ إنه قام بتوحيد مجالس العلم في
مجلس واحد بـ(مسجد أم درمان) تسهيلاً لطلاب العلم لتلقي العلم في
مكان واحد. وقد شرع الشيخ (أبو القاسم) في تغير بناء المسجد من
النمط التقليدي وقتها حيث كان مبنياً من القش إلى بناء دائم بالطوب
والحجارة بعد أن أدخل فكرة نظام الأوقاف للمسجد. بعدها وضع لوائح
للمعهد الديني من تخطيط الفصول ومواد الدراسة والمناهج وسار على
نهج الأزهر الشريف بعد أن أحضر لائحته من مصر.

وقد برز الشيخ (أحمد الطاهر) فى علوم اللغة العربية والشرعية وتفسير
القرآن الكريم، وواصل دراسته لمدة (12) عاماً حتى نال الشهادة العالمية
بعد اجتيازه للامتحانات التى كانت تعقد للطلاب المتقدمين.
وقد بدأ حياته العملية فور تخرجه بالقضاء الشرعي. وقد كان - عند مجىء
الحكم الإنجليزي للسودان فكر الإنجليز فى الإستعانة ببعض قضاة
المهدية والعلماء خريجي معهد أم درمان العلمي والذين تلقوا العلم
بالأزهر الشريف (الأزهريين) ليعملوا فى سلك القضاء الشرعيين، وعلى
سبيل المثال فقد عُيِّن الشيخ محمد عمر البنا، الذي اشتهرت أسرته
بالعلم والدين والفن وكتابة الشعر، وقد كان الفن لدى الأسرة أحد الملامح
المميزة والأساسية للأسرة، وصلة الأسرة بالفنون صلة قديمة بدأت
بالأسلاف وامتدت الى الاحفاد، وهو من مواليد رفاعة (1847 – 1919م)،
ومن العلماء الذين درسوا بالأزهر الشريف، وعمل قاضياً شرعياً، وتمت
ترقيته فيما بعد مفتشاً للمحاكم الشرعية إبان فترة الحكم الثنائي، وقد
كان من حفظة القرآن الكريم حفظاً وتجويداً، وشاعراً كبيراً وهو أحد الأدباء
البارزين، وله إسهامات فى مجال تاريخ الأدب السوداني، وكان مناضلاً
وطنياً وهو شاعر الإمام (المهدي) وقد كان من المقربين له، والخليفة
عبد الله التعايشي الذي عمل مستشاراً له. وهو من علماء المهدية
وشعرائها الأفذاذ وله قصيدة مشهورة قال فيها:
الحرب صبر واللقاء ثبات والموت فى شأن الإله حياة

ومن الذين أيضاً التحقوا بالقضاء فى عهد الدولة المهدية القاضي المشهور
(حسين إبراهيم ود الزهراء)، وهو شيخ، وعالم فقيه، وشاعر، من مواليد
قرية وادي شعير عام 1248هـ الموافق 1833م ينتمي نسبه إلى قبيلة
الجعليين. وقد عرف عنه بالورع الشديد والتقوى والصلاح والعدل.

وقد استعان الإنجليز بالمصريين لشغل مناصب القضاء الشرعي المختلفة
مع استعانتهم بالعلماء السودانيين ممّن درسوا بالأزهر الشريف أو الذين
تخرجوا وحفظوا القرآن الكريم ودرسوا العلم الشرعي على مشائخ أجلاء،
وقد فكر الإنجليز وقتها فى افتتاح مدرسة للقضاة الشرعيين بكلية غردون
التذكارية لسد حاجة السودان فى مجال القضاة الشرعيين، ومن أبكار
الذين عملوا بجانب الشيخ (أحمد الطاهر) فى مجال القضاء الشرعي في
عهد الإنجليز ممن درسوا بالأزهر أو تخرجوا فى كلية غردون التذكارية
وهم الشيخ الطيب هاشم، السيد إسماعيل الأزهري، الشيخ أبو شامة
عبد المحمود، السيد أحمد السيد الفيل، الشيخ هاشم أبو القاسم، الشيخ
أبَّشر أحمد حُميدة، الشيخ محمد أبو القاسم، الشيخ مجذوب مالك، الشيخ
النور التنقاري، الشيخ محمد الأمين القرشي، الشيخ مدثر البوشي، الشيخ
إبراهيم مالك، الشيخ أحمد التاي، وغيرهم.
والجدير بالذكر أن لبعض القضاة الشرعيين فضل تأسيس وإنشاء مدرسة
القضاة الشرعيين بنيجيريا، ويعتبر من أوائل المؤسسين لها الشيخ
(النور التنقاري)، وهو من أهل رفاعة بالجزيرة، وقد صار مفتياً لجمهورية
السودان فيما بعد، ومن الذين عملوا معه فى نيجيريا أيضاً الشيخ
(محمد صالح سوار الذهب)، وهو من مدينة أم درمان، ثم لحق بهم الشيخ
(بشير الريح) وهو من مدينة رفاعة بالجزيرة، ولكنهما عادا من نيجيريا
وبقى الشيخ (النور التنقاري) مواصلاً لمهمته، ومن ثم لحق بهم بعد ذلك
الشيخ (عوض محمد أحمد) من مدينة رفاعة بالجزيرة.

التحق الشيخ (أحمد الطاهر) بسلك القضاء (قاضياً شرعياً) وتنقل بين
مدن السودان المختلفة منها: مدينة بربر، مدينة الأبيض، مدينة كوستي،
مدينة الدويم، ومدينة القطينة، وغيرها من مدن السودان المختلفة، وقد
تم تعيينه مفتياً شرعياً للسودان، ثم عُيِّن أول قاضي قضاة شرعي.

وقد كانت حياته حافلة بالبذل والعطاء والعدل والعلم والسمعة الطيبة
خلال توليه أمر القضاء.
أنتقل إلى جوار ربه في الخمسينيات بمدينة أم درمان
وله بها منزل.
وهو متزوج وله من الأبناء بنتاً واحدة


رابط المقال :