قبيلة الكواهلة

شيخ العرب --- اِدريس الطاهر على الخليفة
2011/08/04
بسم الله الرحمن الرحيم
ياأيتها النفس المطمئنة أرجعى إلى ربك راضية مرضية , فادخلي في عبادي وادخلي جنتي "

تمر علينا هذه الأيام الذكرى الأليمة بوفاة شيخ العرب إدريس الطاهر على الخليفة من أهالي حلة الطاهر ود الخليفة بنعيمة حيث أنه رحل في العام الماضى فى يوم وتاريخ لن يتكرر أبد الدهر فقد توفى الى رحمة مولاه فى شهر رمضان المعظم يوم الأحد ليلة الاثنين 14/ 9 /1429 م الموافق 14/9/2008 م .
قال الوالد على الريح ( لقد عرفت الموت فى عينيه صباح يوم موته بعد أن رأيت انتشارأنفيه ) مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم (أرقبوا للميت عند موته ثلاثا : ان رشح جبينه و وذرفت عيناه وانتشرمنخراه فهى رحمة من الله نزلت به) قال الامام القرطبى قلت : وقد تظهر العلامات الثلاث وقد تظهر واحدة وتظهر اثنتان . وقد شهدنا والحمد لله رشح جبينه وانتشار منخراه عند موته .

قال العمدة موسى ودالتوم ودرجبة خال الفقيد وعمدة منطقة جنوب القطينة وغرب الجزيرة عليه رحمة الله فى العزاء مخاطبا القبيلة : ( يا ناس كسركم كبير... كسركم مااااااابنجبر ) .

وقد كان الفقيد عليه رحمة الله ركنا هاما من أركان بحر أبيض عامة و محلية القطنية قاطبة ويعرفه القاصي والداني من أهل المنطقة , مسموع الكلمة والرأى قل أن يجود الزمان بمثله . وقد مثل موته فاجعة أليمة للناس حيث رحل فجأة بآلام بسيطة وكان قبلها يشارك الناس فى أفراحهم وأتراحهم . 
وقد تقاطرت جموع الناس و القبائل من كل حدب وصوب عند سماع موته مما جعل يوم مماته يوما مشهودا فى بحر أبيض لم يصدقه البعض من هول الفاجعة وقد فقده الأهل والعشيرة وجل مناطق بحر أبيض حيث عرف بأخلاقه الحميدة مع كل الناس وبشوشا مع الصغير والكبير ولم يسيء قط الى أي إنسان وكان يتفانى في خدمة أهل المنطقة حيث كان شيخا وعضوا بمحكمة نعيمة وممثلا لنعيمة بالقطنية .
كان العم المرحوم أدريس الطاهر من أحد القلائل الذين يعرفون المنطقة عن بكرة أبيها وذو دراية كاملة بأهلها : قبائلها , أراضيها ,قراها ومجتمعاتها وروابطها وكل ما يتعلق بأهلها فلذلك كسب ود واحترام الجميع الذين يعرفون كيف يكرمون ويحتفون بقادتهم بقدر ما يشعرون به من تكريم وحفاوة من قادتهم وشيوخهم وبما يتميزون به من خصال الزعامة والوفاء .

ولقد مثلت حقبة ستينات وسبعينات القرن الماضي فترة ثرة من تاريخه واِرتباطه بأهل المنطقة فقد كان الفقيد متعهدا لدا خليات مدارس نعيمة و تعرفه كل جموع الطلاب والمدرسين الذين درسوا بنعيمة بدماثة أخلاقه وطيب معشره وكان يلجأ إليه الأهالي لحل مشاكل أبنائهم فى المدارس وما يعتريهم من مصاعب السكن والأكل وكان يعطى عطاء من لايخشى الفقر فقد كان موقع دكانه بنعيمة موردا للفقراء والمحتاجين ويوزع المال على من يعرف ومن لايعرف . 
كان لاينعقد مجلس صلح بالمنطقة دونه وكان كريما وسخيا يخدم ضيوفه بنفسه فعندما يأتي الضيوف "الخلوة" فى أوقات الليل المتأخرة يقوم بخدمتهم بنفسه من إحضار للأكل وترتيب المسكن دون إزعاج للنائمين من أهل البيت .
وكان عندما يبدأ فى تلاوة راتب الامام المهدى عليه السلام عقب صلاة الفجر " اللهم يا مذكورا بكل لسان ويا مقصودا فى كل آن ويا مبدئا لكل شأن ويا من بيده الأكوان " فقد كان الكل يترقب ذلك الصوت الندى عله ينال من رحمة ذلك الكتاب وبركاته من آيات الذكر الحكيم وهدى المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم . 
وما زال الأهل يتذكرون تعلقه الشديد بالمنطقة وترابها حتى أنه رفض الدراسة بالمدرسة المتوسطة بأمدرمان والتى قبُل فيها فى أربعينات القرن السابق هو والمحامى الكبير الأستاذ بشارة محمد على مريمى فى زمن يندر التعليم فيه , حيث عاد أدراجه متوشحا بحب البلد وطينة أهلها ولم يفارقها ابدا ومن النادر والمستحيل أن يبيت خارج قريته الهادئة حتى لو أتى آخر الليل . 
وكما قال جدنا خليفة هبانى ابان تأبين أخيه بشارة الطاهر " فعندما تراه أمامك فكأنما ترى أحد شيوخ العرب القدماء " فكذلك كان أخوه أدريس الطاهر من حيث اللون والمظهر والقامة والكرم العربى الأصيل .

وقد شارك أهلنا الأنصار وحزب الأمة بوفود معزين :
السيد مبارك الفاضل المهدي ومساعده أحمد الصادق الزين .
وفد حزب الأمة برئاسة المرحوم الدكتور عبد النيى على أحمد .
وفد هيئة شئون الأنصار برئاسة السيد عبد المحمود أبو وعضوية محمد يوسف وعلى العمدة ومحمد أحمد الصادق المهدى .
وفد برئاسة السيد عبد الرسول النور .
السيد والى ولاية النيل الأبيض الدكتور محمد نور الله التجانى وأعضاء حكومته . 
اللهم أرحمه وأغفر له وأسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا 
رب أغفر وأرحم وتجاوز عما تعلم انك أنت الأعز الأكرم 
اللهم أنزله منازل الصديقيين والشهداء والصالحيين .
اللهم أنزل على قبره شآبيب الرحمة وأجعله روضة من رياض الجنة .
اللهم لاتفتنا من بعده ولا تحرمنا من أجره .


الطاهر على الريح - الرياض

وكتب أحد أحفاده جمال يحى أدريس فى جريدة الأحداث ما يلى :

" اليوم أكتب اليك والأسى يخيٌم على وحهى وأتوشح بثوب قاتم السواد وأجرجر خطاى نحو لج عميق الجوهر ورغم عمقه جف بسرعة ولكن ظلت وستظل آثاره باقية الى أن نرحل نحن كما رحل هذا الهرم منا فى لمحة بصر وسيثير فى نفوسنا كثيرا من لواعج الذكرى .
الموت حق وسنة من سنن الحياة وكل انسان منا راحل عن هذه الدنيا الفانية ولكن أن يرحل منا شيخ العرب ادريس الطاهر فهذا رحيل آخر وذو طابع حزين يؤكد رحيل مدرسة قائمة بذاتها تدرس كل مواد الحياة فى كل أطراف السودان .
فلقد كان شيخ العرب بحق وحقيقة بكل ما تحمل الكلمة من معانى ودلالات فهو أكبر منها بما كان يفعله ولقد كان شيخ عرب لكل قبائل الكواهلة ببحر أبيض , كان جسرا متينا من جسور التواصل المترابطة بين كل أطراف بحر أبيض .
كان جسرا مشيدا بالأخلاق الحميدة والمعاملة الطيبة والمسامحة والتسامح ممزوجا بالبذل والعطاء والكرم والجود والبشاشة التى لاتفارقه ...ولقد كان شيخ العرب صاحب حنكة فى معاملاته يحترم الصغير ويوقر الكبير , يؤانس الشباب ويتفاكر معهم فى قضايا ولايته بحر أبيض والسودان عامة .
وكان شيخ العرب واصلا ومواصلا لكل الأجيال , ساسا ورأسا لمنطقة حلة الطاهر ونعيمة خاصة ولكل بحر أبيض عامة وكان شيخ العرب نقطة تحول مهمة لكل حكومات الولاية المتعاقبة فى مشورته فى كل القضايا التى تهم الولاية , فما بخل عليهم بل كان يسعى سعيا حثيثا لتطوير وطنه الصغير بحر أبيض .وكان حالا لكل المشاكل وجامعا للصف وموحدا للكلمة ويدعو الى التصافى والتسامح ويمشى بين الناس بالخير وذا صدر رحب وبال واسع تجده دائما مبتسما وبشوشا وتجده مع الطفل طفلا ومع الشاب شابا ومع الشيوخ شيخا , فكل هذه السمات ترتسم فى وجه هذا الهرم الذى رحل منا فى أواخر رمضان وبكته كل الولاية بكاء وجلت منه القلوب ونزفت فيه المقل الدماء من شدة الحزن و ان فقده جلل وعظيم لن نوفه حقه مهما حزنت القلوب ولو تجمدت كما تتجمد الجبال السود فى قلب الصحراء ومهما دمعت المقل من دموع لن تفى ولو حتى سالت كما تسيل البحار ومهما طالت مدة الفراق بيننا وبينه يتظل معنا فقط اللحظة التى رحل رحل منا فيها , انه كسر ويصعب جبره مهما تكاتف وتعاون الأهالى لسد ثغرته لن يكون سهلا عليهم الأمر كما لايمكن للنجوم أن تحل محل القمر لتؤدى دوره كاملا .
لانملك الا أن نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته وأن يجعله مع الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا .


رابط المقال :