قبيلة الكواهلة

ما بين الموضوعية والذاتية تكمن الآراء والعواطف والأهواء
2011/06/26

ما بين الموضوعية والذاتية تكمن الآراء والعواطف والأهواء         (1)
 
الإنسان بطبعه البشري ينتابه الخطأ والتقصير، ومهما حاز من علم أو وعي وخبرة ودراية وبلغ مستواً عالٍ في بنائه الفكري وليس الجسدي والمادي، إلا أنه يظل حبيساً لعواطفه ومشاعره وأحاسيسه في بناء مواقفه وآرائه في أحيانٍ كثيرةٍ.

هنا يتبين ضعف الإنسان وعدم مقدرته على تجاوز ذاته في التعاطي مع الأحداث، وبناء حكمه ومواقفه على توهم وانفعالات. لذلك كثيراً ما يكون سلوكه وتفاعله مع الآخرين في محيط عمله لكسب الرزق أو في مسرح الحياة عموماً والعمل العام على وجه التحديد، منطلق من قناعاته المبنية على السطحية والأهواء والتي قطعاً تجانب الصواب وتحيد عن الرؤية الموضوعية للأشياء.
 
ومن خلال التجربة في العمل العام، أرى أننا نحن السودانيين في الغالب – إلا من رحم ربي، نتعامل ونبني مواقفنا وآراءنا وحكمنا على الامور بعفوية وسذاجةٍ وإمعانٍ في الذات وعليه نمارس أدورانا ونتعاطى مع الأحداث والنشاط العام بمنحى عن الموضوعية.

ولأهمية سلامة السلوك الفردي والتنظيمي في العمل العام وما له من أثر ينعكس على روح الأفراد وعلاقاتهم الشخصية والتنظيمية وأدوارهم في النشاط وتحقيق الأهداف والغايات المرجوة من أي تنظيم أو كيان. رأيت ضرورة تسليط الضوء في هذه المساحة على مفهوم الموضوعية (Objectivity) و الذاتية (Subjectivity) في السلوك البشري الحياتي، ويمكن تعريفهما عموماً بما يلي:
 
(الموضوعية هي تعبير عن المسلك الذهني للإنسان في إدراكه للأشياء على ما هي عليه، دون أن يشوبها أهواء أو مصالح أو تحيزات، وهو الاتجاه الذي يلتزمه كل إنسان صادق متصالح مع نفسه، متجنباً لميوله وعواطفه وكل ما يؤثر في إصدار أحكامه وتقديراته. فالموضوعية بهذا المعنى هي نزاهة الرأي أو الموقف والتجرد من العواطف والأهواء).

وفي المقابل فإن مفهوم الذاتية في السلوك البشري الحياتي تعبر عن (إتباع الإنسان مشاعره وعواطفه وأحاسيسه في حكمه على الأشياء وتعاطيه مع الأحداث وبناء مواقفه منها وأرائه على الأهواء والتحيز لنزواته ورغباته الشخصية بعيداً عن إعمال العقل والمنطق السوي).

وبهذا الفهم فإن كلمة الذاتيّ هنا تعني الفردي، أي ما يخص شخصًا واحدًا، وعندما يوصف شخص بأن تفكيره ذاتي فهذا يعني أنه اعتاد أن يجعل أحكامه مبنية على شعوره وذوقه. وأشير هنا إلى أن لفظ ذاتي تطلق أحياناً كوصف يدل على كون الشيء مستقل وليس معتمد على آخر. ولكن ما أريد أن يحسن فهمه هنا هو أن لفظ ذاتي تعني التفكير من منطلق النظرة الشخصية بناءً على النزعة الداخلية ورغبة النفس من خلال الاستجابة للمؤثرات الخارجية التي تصادف هوى في نفس الإنسان وتحقق مصالح فردية.   

وعليه فإن المواقف والأحداث التي يصنعها الإنسان أو يسهم فيها أو يعيشها ويتفاعل معها أو تروى له في أي من جوانب الحياة المختلفة تحتاج إلى نظرة ثاقبة بعين متجردة وقلب صاف مفتوح وذهن ولب سليم.

فالنظرة الموضوعية للأشياء والأحداث والمواقف تجسد ما ينبغي الحكم عليه بصورة لا تخفي المحاسن حينما يراد إظهار السلبيات والمثالب، ولا تخفي السلبيات حينما يراد إظهار المحاسن والايجابيات. وبالتالي يتمكن الإنسان من أن يضع كل شيء في موضعه من غير إفراط ولا تفريط، بعيداً عن إظهار الذات وهوى النفس الأمارة بالسوء.

إذن التفكير الموضوعي ضرورةٍُ وصمام أمان لبناء المواقف والآراء ولا يتأتى ذلك للإنسان إلا من خلال إتباعه لمجموعة من الأساليب والخطوات والأدوات التي تنتهج المسلك العقلاني المحض الذي يمكنه من الوصول للحقائق والتعاطي مع الأحداث بصورة نزيهة تعكس الأمور على ما هي عليه، دون إثارة وتدخل سافر للمشاعر والأهواء الشخصية التي من شأنها إظهار الذات والاستجابة للمؤثرات الخارجية.
 
وهذا قطعاً لا يعني أن يخلو حكم الإنسان على الأشياء ومواقفه من الأحداث، من رأيه الشخصي ولكن المهم أن يكون الرأي الشخصي خاضعاً لمعيار الموضوعية أيضاً واستخدام العقل وتجميد العاطفة. فلا يكون الحكم أو الموقف أو التفاعل والتعاطي مع الأحداث قائم علي الإمعان في الذات والاستجابة للنزعات والنزوات الشخصية والرغبات الفردية.       

بعض مقتضيات إتباع الرؤية الموضوعية:
 
 
 
·       تعليق الحكم على الأشياء حتى تمحيص الحجج والشواهد.

·       التخلّص من الأحكام المسبقة أيّا كانت.

·       عرض الأحداث والتعبير عن المعطيات ونقلها بأوضح الطرق. 

·       نقل المعلومات والحقائق ورواية الأحداث بتجرد دون شحن عاطفية (بقدر الإمكان)
 
·       حسن الظن والتثبت عند سماع ما يُروى أو يُقرأ. 

·       التفريق بين الشخص كفرد وكممثل لهيئة اعتبارية معينة.

·       التمييز بين العلاقات الشخصية والتعاطي في العمل العام بما يراعي المصلحة العامة.      

·       التجرد في الطرح والبعد عن استمالة الأفراد لكسب التأييد الشخصي.

 
 
شواهد على "اللاموضوعية" أو تنافي الرؤية الموضوعية:
 
 
 
·       التفاعل العاطفي والساذج مع كل ما يروى أو ينقل

·       التناول السطحي للأحداث والقضايا المطروحة
 
·       القراءة المختزلة للأحداث والمواقف بتجزئتها وإهمال جوانب هامة ومؤثرة فيها.
 
·       تشويه وتحوير المعلومات والشواهد وإخراجها من السياق الذي وردت فيه.

·       شخصنة المواقف وخلق عداءات متوهمة تبنى على أساسها المواقف والآراء.

·       الانصراف عن جوهر المواضيع والتكريس لإظهار الذات.

·       العمل على استمالة الأشخاص وكسب ولائهم وتأييدهم بدلاً من الطرح الواضح.

·       ممارسة الإقصاء بدلاً من الاستئناس بالآراء واستقصاء الحقائق. 

 
 
وهنا يمكن أن يثار تساؤل أو استفهام، هل أن الرؤية الموضوعية في السلوك البشري الحياتي تعني دائماً الحقائق؟!. أو بمعنى آخر هل كل ما هو موضوعي حقيقي؟!

والإجابة في تقديري هي أن الحيثيات والشواهد على المواقف والأحداث وطريقة قراءتها بتجرد والتثبت منها هي المحك لإثبات الحقائق أو نفيها. وجميع هذه الامور نسبية، فكما تصوغ أنت حيثيات تعتمدها كأدلة وقرائن للتدليل على بناء موقف أو رأي معين، يعتمد غيرك على أخرى للتدليل على عكسه.

كما أن لأي شخص ذهنية خاصة تشكلها خلفيته الثقافية أو الاجتماعية بجانب خبراته المكتسبة التي تؤثر في بناء أرائه ومواقفه. ولكن يظل الإنسان المسلم مطالب بتوخي الصدق والعدل في سلوكه وتصرفاته، وهذا يعني التزام الموضوعية في طرحه وتلقيه وحكمه على الأشياء. يوطن رأيه ومواقفه ولا يكون إمعة يحسن أن أحسن الناس ويسئ الفهم والممارسة إن أساءوا.

إلى هنا اكتفي بهذا القدر، فالغوص في مثل هذه المفاهيم يفضي بنا إلى مسارات عدة تحتاج إلى ثقافة واسعة واطلاع كبير ودقة في الرأي، وذلك لما لها من تشعبات فلسفية عميقة.

ولارتباط هذا الموضوع بتصرفاتنا وسلوكنا في الحياة عموماً، أطرح فيما يلي بعض تساؤلات علها تثير ذهن القارئ الكريم لمزيد من الاطلاع والتفكير ومن ثم الإجابة العملية:
 
·       هل الرؤية الموضوعية تعني الحقيقة؟!

·       ما السبيل لإتباع الرؤية الموضوعية؟!

·       استحضر بعض من صور الممارسة الحياتية تنعدم فيها الرؤية الموضوعية؟!
 
·       ما العلاقة بين الموضوعية والرأي الشخصي؟!
 
·       هل يمكن إدراك الحقائق دون الرؤية الموضوعية؟! 

 
 
                                                وسنواصل بإذن الله تعالى.                                                                                                                                            
 
                                                                                        حسن محمد بابكر 

 


رابط المقال :