• اضف مقال جديد

  • ورقة مفهوم القبيلة - رؤية تأصيلية


    الكاتب: الرشيد  النعيم  الرشيد 2010/07/27

    توطئة:
    القبيلة عبارة عن وعاء اجتماعي ينتمي إليه مجموعة من الأفراد تربطهم وشائج عاطفية وصلات ممتدة، ويكون الانتماء لهذا الوعاء إما عن طريق صلة الدم أوالرحم أوالمصاهرة أوالجوار. فالقبيلة تمثل وحدة بناء ورافد من الروافد التي يستمد منها الفرد قوته وأمنه داخل منظومة المجتمع، خاصةً في المجتمعات التي ما زال يغلب عليها هذا الطابع وإن وجدت فيها المؤسسات الرسمية والتنظيمات المدنية.



    تطور مفهوم كيان القبيلة – نظرة تاريخية:
    قبل ظهور التكوينات القطرية الحديثة والحدود الجغرافية والسياسية للدول كانت القبيلة هي الكيان الجامع لكل مجموعة أو تجمع بشري متجانس. حيث كان أفراد القبيلة يجتمعون في مكان واحد يقودهم زعيم القبيلة بما له من امكانات شخصية مميزة. ولا شك أن القبيلة تكوين موجود في حياة بعض الشعوب الأخرى غير العربية ولكنها أوضح ما تكون عند العرب. تتسع وتتشعب القبيلة الى فروع وبطون وافخاذ وأحيانا تتولد قبيلة من اخرى وهكذا، نتيجة لتزايد عدد أفرادها والتكاثر في حياة البشر عموماً.
    بينما كانت القبيلة تمثل الحارس لكثير من القيم والأصول في المجتمعات، فإن عوامل الحداثة والتطور والمدنية التي شهدتها المجتمعات أحدثت كثيراً من التغيرات الايجابية، حيث انصهر الناس وزالت النظرات الضيقة والفوارق العرقية وعلت قيم التعايش وتبادل المصالح والمنافع. ولكن في ذات الوقت اندثرت كثير من القيم الاجتماعية الفاضلة، بل طغت ثقافات دخيلة على بعض مظاهر الحياة، نتيجة الانفتاح الذي تشهده المجتمعات عموماً بسبب التقنية والعولمة التي اجتاحت العالم بأسره قاصيه ودانيه. ومن هنا تبرز الحاجة للموازنة ما بين التعاطي مع المدنية والحداثة وتداعياتها المتجددة والتمسك بالأصول والتراث بتغليب المصالح على المفاسد.     



    أهمية القبيلة:
    للرابط القبلي أو العصبة دور إيجابي حيث يعود إليها الفضل في التماسك والتعاون الموجود بين أفراد أبناء القبيلة الواحدة. كما يلعب زعماء ووجهاء القبائل الدور المؤثر في إصلاح ذات البين وفض النزاعات داخل البيت القبلي الواحد، بجانب دورهم الهام في الحفاظ على العلاقات بين القبائل الأخرى. ولا شك أن هذه الأدوار تنعكس إيجاباً على حياة الأفراد واستقرار المجتمعات والأوطان.



    وضع القبيلة في الإسلام:
    الاسلام يحارب وينبذ التعصب وحمية الجاهلية، وقد ذكرً الناس بأنهم كلهم من أم وأب واحد وهو آدم وآدم من تراب. ولكن الاسلام يحث الأفراد على تكوين الأسر والتي هي النواة للعائلة وبالتالي المجموعة ذات النسب المتصل. والاسلام يحرض ويحث على صلة الرحم بل يكون العقاب من الله سبحانه وتعالى لقاطعه. وسيظل الرحم موصول ما عرف الانسان نسبه وصلات القرابة التي تربطه بأهله وعشيرته. وبهذا الفهم يظل الترابط بين أفراد الأسرة والعائلة وأبناء القبيلة الواحدة أمراً هاماً لتحقيق صلة الرحم والتراحم والتواصل والتعاضد.
    وقد ظل وما زال النظام القبلي موجود عندنا وأن الأفراد ينتسبون إلى عوائل وفروع معينة من القبيلة المحددة، يحملون هذا الإنتماء للأجيال القادمة، وعبر هذا النسيج والرباط المتصل يتم التواصل والتراحم بين الناس.  
    فالإسلام يحث على تكوين الأسرة التي غالباً ما تكون نواة لامتداد مجتمع العائلة والقبيلة معاً، فهي البوتقة التي تحوي كمّا هائلا من القيّم والمبادئ النبيلة والرائعة والكفيلة بصيانة المجتمع من التدهور والحفاظ على القيم الاجتماعية والتي في الغالب هي من مبادئ ديننا الحنيف.
    ويقول الله سبحانه وتعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}. كما بينت الآية الكريمة أن الاكرم عند الله سبحانه وتعالى هو (الأتقى) وليس الأسود أو الأبيض أو المنتمي لهذه القبيلة أو تلك أو المنتسب لهذا أو ذاك البلد. كما أن  كثير من أقوال وأفعال رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم تبين لنا أنه لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى وهذا ما يدلنا على عظمة الاسلام ونهيه عن العصبية والحمية التي تدعو لإعلاء الذات وتقليل شأن الآخرين.



    محاذير التكوين القبلي:
    كما يكون الكيان القبلي أداة بناء، يمكن أن يكون معول هدم إذا انطلق من نظرة ضيقة أو وظف التوظيف الخاطئ. والمتتبع للتاريخ العربي يجد أن كثيراً من الحروب كان سببها العصبية والحمية القبلية ومن أشهرها حرب البسوس وداحس والغبراء. وهذه العصبية المنتنة حاربتها الدعوة الإسلامية التي جاءت لتوحيد القبائل العربية المتشرذمة تحت رأية لا إله إلا الله محمد رسول الله التي شعارها «إن أكرمكم عند الله أتقاكم» و«لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى» فخرجت بتلك القبائل من الانتماءات الضيقة إلى فضاءات أوسع استوعبت اختلاف الأوطان والعشائر والألوان، فكانت خير أمة أخرجت للناس لأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر وإيمانها بالله وليس بادعاء الاستعلاء العرقي أوالجهوي وكان خيرها عاماً حتى على غير المسلمين. حيث آخى الإسلام بين المهاجرين والانصار ومنهم من كان لونه أسودا بينما لون أخيه أبيضا، ومنهم من كان روميا أو فارسيا أو حبشيا، بل تزوج الصحابي الأسود من الصحابية البيضاء والسوداء من الابيض ونسي الجميع أنسابهم وقبائلهم وألوانهم ، إلا إسلامهم ودينهم.
    وفي ذات السياق فالشواهد على التعايش والتمازج في مجتمعاتنا السودانية كثيرة بالرغم من التباين العرقي والثقافي، بينما نذكر بعض الأحداث والفتن التي عشناها أو نقلت لنا عبر المشافهة أو صحفات التاريخ القريب أوالبعيد نتيجة الصراعات والنزاعات القبلية بسبب سوء الفهم أوالسلوك أوبعض الممارسات السياسية التي اتبعتها الأنظمة واستغلت في الأجندة السياسية وتحويل كثير من القضايا إلى عوامل للصراع والضغط على الأنظمة والحكومات والمتاجرة والكسب السياسي. حتى وصل بنا الحال في السودان إلى ظهور جماعات مسلحة كشرت بأنيابها وقذفت ببعض الدعاوى كالتهميش وغيره لتدويل بعض القضايا والأحداث الحقيقية والمتوهمة في أحيان كثيرة. وللآسف كانت النتيجة حصد كثير من الأرواح وتشريد الألوف من البشر وكل ذلك على حساب عجلة التنمية البشرية والاقتصادية، بالرغم من بشريات التطور الاقتصادي الذي يشهده السودان في السنوات العشر الأخيرة. كل هذا يضاف إلى رصيد حرب أهلية دارت رحاها في جنوبنا الحبيب واستمرت لفترة تفوق العقدين من عمر السودان.



    خاتمة
    نحن الذين آلينا على أنفسنا مسئولية تأسيس كيان رابطة أبناء الكواهلة بالرياض، ندرك تماما حجم وعظم المسئولية التي نرعى فيها العهد والميثاق. لذا من واجبنا ومسئوليتنا أمام الله سبحانه وتعالى تجاه أنفسنا والمجتمع أن نبين ونثبت أن الفكرة والممارسة في هذا الكيان من منطلق ديننا الحنيف بعيداً عن أي نظرة ضيقة أو حمية جاهلية أو دعوى للتعصب أوإعلاء الذات على الآخرين أو أي عمل من شأنه أن يكرس للتمييز والفرقة والشتات بل الفتنة التي هي أشد من القتل.



    ستسعى الرابطة لتحقيق أهدافها السامية التي تراعى فيها القيم، من خلال طرح واضح وفكر ثاقب وعقل وقلب مفتوح يسع الجميع وينبذ التعصب.



    وفي الختام نسأل الله أن يجعلنا من الذين يحسنون القول والعمل وأن يوفقنا لتحقيق ما ذكرناه ليكون النجاح والفلاح حليفنا في الدنيا والآخرة، ونعوذ به من شرور أنفسنا وكيد الشيطان إنه سميع مجيب.



    نشكر لكم سعيكم واهتمامكم.      



    اللجنة التمهيدية



    يوليو 2010م – شعبان 1431هـ



    الرياض


    تعليقات الزوار



    captcha